ابن أبي الحديد

14

شرح نهج البلاغة

فأما قول من يقول : ( أي ثواب في اللعن ! وإن الله تعالى لا يقول للمكلف لم لم تلعن ؟ بل قد يقول له : لم لعنت ؟ وإنه لو جعل مكان لعن الله فلانا ، اللهم اغفر لي لكان خيرا له ، ولو أن إنسانا عاش عمره كله لم يلعن إبليس لم يؤاخذ بذلك ) ، فكلام جاهل لا يدرى ما يقول ، اللعن طاعة ، ويستحق عليها الثواب إذا فعلت على وجهها ، وهو أن يلعن مستحق اللعن لله وفى الله ، لا في العصبية والهوى ، ألا ترى أن الشرع قد ورد بها في نفى الولد ، ونطق بها القرآن ، وهو أن يقول الزوج في الخامسة : ( إن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ( 1 ) ) فلو لم يكن الله تعالى يريد أن يتلفظ عباده بهذه اللفظة وإنه قد تعبدهم بها ، لما جعلها من معالم الشرع ، ولما كررها في كثير من كتابه العزيز ، ولما قال في حق القاتل : ( وغضب الله عليه ولعنه ( 2 ) ) ، وليس المراد من قوله : ( ولعنه ) إلا الامر لنا بأن نلعنه ، ولو لم يكن المراد بها ذلك لكان لنا أن نلعنه ، لان الله تعالى قد لعنه ، أفيلعن الله تعالى إنسانا ولا يكون لنا أن نلعنه ! هذا ما لا يسوغ في العقل ، كما لا يجوز أن يمدح الله انسانا إلا ولنا أن نمدحه ، ولا يذمه إلا ولنا أن نذمه ، وقال تعالى : ( هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله ( 3 ) ) ، وقال : ( ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) ( 4 ) ، وقال عز وجل : ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ( 5 ) ) . وكيف يقول القائل : إن الله تعالى لا يقول للمكلف : لم لم تلعن ؟ ألا يعلم هذا القائل أن الله تعالى أمر بولاية أوليائه ، وأمر بعداوة أعدائه ، فكما يسأل عن التولي يسأل عن التبري ! ألا ترى أن اليهودي إذا أسلم يطالب بان يقال له : تلفظ بكلمة الشهادتين ، ثم قل : برئت

--> ( 1 ) سورة النور 7 . ( 2 ) سورة النساء 93 . ( 3 ) سورة المائدة 60 . ( 4 ) سورة الأحزاب 68 . ( 5 ) سورة المائدة 64 .